الأحد، 30 أغسطس 2015

ما هي عقود الـBOT ولماذا يتم اعتمادها؟

ما هي عقود الـBOT ولماذا يتم اعتمادها؟


يعتبر نظام عقد الـ B.O.T من الأنظمة الحديثة التي تعتمدها الدول لتنفيذ مشاريع ضخمة في البنية التحتية وغيرها، مثل الأوتوسترادات والطرقات والجسور والمطارات والاتصالات والمرافىء والماء والكهرباء... فقد تبين أن إشراك القطاع الخاص في هذه المشاريع يؤمن نوعية أفضل ويوفر في الوقت والكلفة. ويعتبر هذا العقد شكلاً من أشكال تحقيق المشاريع وتمويلها؛ إذ تمنح شركة متخصِّصة امتيازًا لتصميم مشروع معين وتنفيذه وتشغيله بعد أن تكون الدولة قد قررت خطوطه العريضة وأهدافه. وتتولى الشركة القيام بجميع خطوات المشروع من إنشائه الى تشغيله واستثماره لحسابها الخاص لمدة محدَّدة من السنوات، وفي نهاية مدة الامتياز تقوم الشركة بإعادة أصول المشروع الى الدولة في حالة جيدة للاستمرار في تشغيله واستثماره، بدون مقابل أو بمقابل متفق عليه.
تعريف عقد الـ B.O.T وأهميته وانتشاره
الـ B.O.T اختصار لثلاث كلمات هي: بناء (Build) – تشغيل (Operate) – نقل الملكية (Transfer). ويمكن تعريف هذا العقد بأنه إتفاق بين الدولة وشركة متخصّصة من شركات القطاع الخاص، توكل بموجبه الدولة الى الشركة مهمة القيام بأعمال تدخل في نشاطات القطاع العام، عن طريق منح هذه الشركة امتيازًا وفق الأصول القانونية من أجل انشاء مشروع ضخم وتنفيذه وتشغيله. وتتولى الشركة تمويل هذا المشروع، من دون إرهاق الموازنة العامة للدولة بأي نفقات، على أن يسمح لها بإستعادة ما أنفقته على هذا المشروع إضافة الى أرباحها المتوخاة فيه عبر استيفاء رسوم معينة من المستفيدين من خدماته مباشرة. ويتم كل ذلك تحت إشراف ورقابة الدولة وأجهزتها الإدارية التي تحدّد مقدار الرسوم وكيفية إستيفائها، ضمن قواعد قانونية وضوابط فنية متفق عليها مسبقاً. وتقوم الشركة باستثمار المشروع لحسابها الخاص مدة من الزمن، ثم تقوم في نهايتها بنقل ملكيته وكل ما يتعلَّق به إلى الدولة أو إحدى الادارات أو المؤسسات العامة.

ويعتبر عقد الـ B.O.T من عقود الاستثمار، وهو يخضع بهذه الصفة للقواعد القانونية المنظمة للاستثمار. وقد أصبح نظامًا عالميًا لتحقيق الخطط والمشاريع الاقتصادية، تلجأ اليه الدول التي تعاني عجزًا في موازناتها العمومية يمنعها من تحقيق خطط الاصلاح والنمو الاقتصادي وتلبية إحتياجات شعوبها. فالخيارات التقليدية التي تلجأ اليها الحكومات أمام تلك الاحتياجات هي: إما عدم تلبيتها بسبب عدم توافر الأموال اللازمة، وإما زيادة الضرائب لتأمين التمويل المناسب لها، وكلا الخيارين يؤدي الى نتائج سيئة إقتصاديًا واجتماعيًا.وقد اعتمد نظام عقد الـ B.O.T كخيار ثالث عبر الاستعانة بالقطاع الخاص واستخدام استثماراته وخبراته لانشاء البنى التحتية المطلوبة مقابل الاستفادة من عائدات المرفق العام لفترة محدَّدة من الزمن، وفق شروط وقواعد خاصة.

ولعلَّ مشاريع الاوتوسترادات الكبرى في معظم دول العالم، التي يسلكها المارة لقاء بدل معين على شكل رسم يدفعه المنتفع عند البدء بولوج الاوتوستراد، هو خير مثال على نظام عقد الـ B.O.T، حيث يقوم المستثمر بإستيفاء حقوقه المالية من المنتفعين مباشرة لاسترداد ما دفعه من مصاريف ونفقات لانشاء الاوتوستراد إضافة الى ربحه المأمول من تنفيذه وتشغيله، مع الأخذ بعين الاعتبار جميع المخاطر الممكن مواجهتها في هذا النوع من الاستثمارات الطويلة الأمد.

ولا يعتبر نظام عقد الـ B.O.T نظامًا جديدًا من الناحية التنفيذية للمشاريع الكبرى، ولا سيما الفنية والتقنية، إنما يعتبر نظامًا جديدًا من الناحية التنظيمية الادارية ومن ناحية مصدر تمويل المشاريع العامة، فهو شكل من أشكال تحقيق المشاريع وتمويلها، يعتمد تحميل المستثمر مسؤولية التصميم والبناء والتشييد والتمويل.

وقد انتشر هذا النظام بشكل كبير مع بدايات القرن التاسع عشر التي شهدت انتشار السكك الحديدية كوسيلة للمواصلات وتطور وسائل الاتصالات التكنولوجية, حيث قدَّم نظام عقد الـ B.O.T حلاً لمشكلة تمويل مشاريع البنية التحتية، والمجمعات والأسواق الصناعية الكبرى والمشاريع الزراعية الضخمة، بكفاءة أكبر و كلفة أقل وتقنية أفضل.

ويعتبر تمويل المشاريع الكبرى حجر الزاوية في استراتيجية نظام عقد الـ B.O.T، حيث يُركّز المستثمرون والمقرضون على أصول المشروع وما يدره من عائدات، أكثر من تركيزهم على الضمانات الحكومية.

تمييز عقد الـ B.O.T عن الخصخصةإنّ عقد الخصخصة هو عقد إداري يتم إبرامه بين الدولة والقطاع الخاص، موضوعه بيع مشروع تملكه الدولة ونقل ملكيته كليًا أو جزئيًا إلى أحد أشخاص القطاع الخاص، فتنقطع علاقة الدولة نهائيًا بالمشروع. وعلى الرغم من تشابه عقد الخصخصة مع عقد الـ B.O.T من ناحية تناولهما أموالاً عامة تملكها الدولة ونقل ملكيتها إلى القطاع الخاص، إلا أنهما يختلفان من عدة نواحٍ، أهمها:
 إن موضوع عقد الـ B.O.T هو انشاء مرفق عام وتشغيله لمدة محدَّدة متفق عليها في العقد، مع احتفاظ الدولة بحق السيطرة عليه من خلال وضع شروط وقواعد تتعلق بإنشائه وتشغيله إضافة إلى حق الاشراف والرقابة على المشروع حتى إعادة ملكيته إلى الدولة في نهاية المدة المتفق عليها.
 أما في عقد الخصخصة، فتنتقل ملكية المشروع نهائيًا إلى القطاع الخاص وتنقطع علاقة الدولة به وتمتنع عن التدخل في إدارته أو رقابته أو الاشراف عليه.
وبناء على ذلك، يعتبر نظام عقد الـ B.O.T حلاً وسطًا بين نظام الخصخصة وبين تمويل المشاريع عبر الوسائل التقليدية للدول من خلال فرض الضرائب أو الحصول على القروض الداخلية أو الخارجية أو رصد إعتمادات في الموازنات العامة.

إيجابيات عقد الـ B.O.Tلعقد الـB.O.T عدة إيجابيات أهمها الآتي:
• انشاء المشاريع العامة من دون زيادة الأعباء على الموازنة العامة للدولة:
يؤدي نظام عقد الـ B.O.T الى إتاحة فرص كبرى لإنشاء المشاريع العامة وتحسينها وتطويرها وتمويلها عن طريق القطاع الخاص مع تجنيب الموازنة العامة للدولة زيادة الانفاق العام. فبدلاً من أن تقوم الدولة بتأخير تنفيذ المشاريع الحيوية الضخمة الى حين تأمين التمويل اللازم لتلك المشاريع، تلجأ الى نظام عقد الـ B.O.T للمباشرة في تنفيذها من دون تحمّل أعباء مالية إضافية. حيث يتحمَّل الملتزم وحده مهمة تأمين التمويل اللازم لدفع تكاليف انشاء المرفق العام ومصاريف إدارته وصيانته طوال مدة العقد.

• إدخال استثمارات جديدة:
تظهر أهمية نظام عقد الـ B.O.T عندما تكون الشركات التي تتولى إنشاء المرفق العام وتشغيله من الشركات العالمية أو الأجنبية الضخمة، حيث تقوم بإدخال استثمارات جديدة، مما يؤدي الى تحسين ميزان المدفوعات وتخفيض العجز في الموازنات العامة للدولة والاستغناء عن الاقتراض الداخلي أو الخارجي وما يتبعهما من أعباء خدمة الدين العام والضغوط السياسية والمالية. كما يؤدي الى تحريك رأس المال المحلي والخارجي وجذبه وتوفير السيولة النقدية، وإنشاء وتطوير المواصلات والبنى التحتية من طرقات وماء وكهرباء وإتصالات وغيرها في منطقة وجود المشروع موضوع هذا العقد.

• إيجاد فرص عمل جديدة:
يؤدي نظام عقد الـ B.O.T الى إنشاء مشاريع جديدة أو توسيع المشاريع القائمة وتطويرها، مما يؤدي الى خلق فرص عمل جديدة، وخصوصًا للأيدي العاملة المتخصّصة. إلا أنه على الدولة أن تتنبه الى ضرورة حماية اليد العاملة المحلية من منافسة اليد العاملة الأجنبية، فتفرض على الشركة المتعاقدة استخدام الحد الأعلى من اليد العاملة الوطنية في إدارة المشروع المتفق عليه وتنفيذه، مما يساعد على تخفيف حدة البطالة وإكساب العمال الوطنيين خبرات متقدمة في مواكبة التطور ونقل التكنولوجيا العالمية في المجالات كافة.

• تطوير القطاع العام وتحسينه:تعاني غالبية الدول من سوء أداء الإدارة في القطاع العام بسبب البيروقراطية وضعف الخبرات لدى الموظفين وعدم مواكبة التطور العلمي والعملي في معظم المجالات. لذلك يسمح نظام عقد الـ B.O.T بتطوير أداء المرافق العامة وسرعة تلبية حاجات المستهلكين والمتعاملين مع هذه المرافق. هذا بالإضافة الى المساهمة في ترشيد الطاقة في المرافق العامة الى درجة عالية من الجودة والكمال، حيث تحرص الشركات المتخصِّصة على تقليص الهدر في استعمال الطاقة الكهربائية والمائية والهاتفية، وعدم استعمالها إلا عند الحاجة الملحَّة اليها وبالقدر اللازم لحاجتها. يضاف إلى ما تقدم المحافظة على ملكية المشروع، حيث تلتزم الشركة نقل ملكيته الى الدولة عند انتهاء المدة المتفق عليها في عقد الـ B.O.T.

• المساهمة في نقل التكنولوجيا وتدريب العاملين عليها:
يساهم نظام عقد الـ B.O.T في نقل المعلومات التكنولوجية المتطورة في إنشاء المرافق العامة وتشغيلها الى الدولة المتعاقدة، حيث تلتزم الشركات المتعاقدة بموجب نقل التكنولوجيا المعروف بحق المعرفة (Know How)، وتدريب العاملين عليها لكي تستطيع الدولة متابعة إدارة المرفق العام وتشغيله بعد انتقال ملكيته اليها عند انتهاء مدة عقد الـ B.O.T. ويعتبر موجب نقل التكنولوجيا من أهم الالتزامات التي تفرضها الدولة على عاتق الشركة المتعاقدة أو شركة المشروع.
سلبيات عقد الـ B.O.Tمقابل الإيجابيات التي تحدثنا عنها ثمة سلبيات لهذا العقد، وأهمها ما يلي:
• ضعف الائتمان لدى الشركة المتعاقدة:
قد تكون الشركة التي تتعاقد مع الدولة وفق نظام عقد الـ B.O.T تعاني ضعفًا في ذمتها الائتمانية، فتلجأ الى السوق المحلية للاقتراض من أجل الحصول على التمويل اللازم للمشروع ولاستيراد المعدات والأجهزة اللازمة من الخارج، بدلاً من تحويل الأموال من الخارج لاستثمارها في السوق المحلية، مما يؤدي الى زيادة الطلب على العملات الأجنبية وإنخفاض قيمة العملة الوطنية. يضاف إلى ذلك عدم قدرة الشركة المتعاقدة على تنفيذ التزاماتها مما يؤدي الى فشل المشروع، مع ما يتبعه من مشاكل جمَّة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والعمالية وغيرها...

وهذا يستدعي من الدولة الحرص الكبير والتحقّق من قدرة الشركة المتعاقدة على التزام تعهداتها والتأكّد من قدراتها المالية والائتمانية ومن سمعتها وخبرتها في مجال المشروع موضوع العقد. كما أن لجوء الشركة المتعاقدة للتمويل من المصارف والمؤسسات المالية المحلية قد يساعد على إستفادة هذه المصارف والمؤسسات من فوائد القروض وإيجابياتها بدل أن تذهب هذه الفوائد الى المصارف والمؤسسات المالية الخارجية، شرط تأمين الضمانات المالية الكافية للتأكد من قدرة الشركة المتعاقدة على القيام بالتزاماتها الفنية والتقنية والمالية. وقد يشترط بعض الدول على الشركات المتعاقدة معها في نظام عقد الـ B.O.T أن يتم تمويل جزء كبير من المشروع من التمويل الذاتي للشركة وتوفير الضمانات المصرفية الكافية لتغطية القروض وفوائدها.

• تحويل الأرباح الى الخارج:
ان غالبية الشركات المتعاقدة في عقد الـ B.O.T تكون شركات أجنبية أو عالمية، مما يؤدي الى تحويل الأرباح الناتجة عن المشاريع المنفَّذة الى الخارج من دون قيود تفرض على المستثمر إستثمار جزء من هذه الأرباح داخل الدولة المتعاقدة، ما يؤدي الى اختلال ميزان المدفوعات والتأثير على حجم السيولة في السوق المحلية. وهذا يفرض على الدولة الحرص على معالجة هذه الناحية من خلال وضع ضوابط قانونية ومالية للحد من سيئات تحويل أرباح الشركات الى الخارج.

• ارتفاع أسعار العقارات في منطقة تنفيذ المشروع ومضاعفة أرباح الشركات:
يؤدي تنفيذ أي مشروع في منطقة معينة الى تحسين البنى التحتية, عبر شق الطرقات الجديدة المتطورة وخصوصًا الأوتوسترادات السريعة وتأمين الخدمات الضرورية من كهرباء ومياه وإتصالات وغيرها، مما ينعكس ارتفاعًا في أسعار العقارات في تلك المنطقة بسبب انتعاشها إقتصاديًا. فتكون الشركة المتعاقدة التي قامت بشراء مساحات شاسعة من الأراضي على جوانب هذه الطرقات قد ساهمت في إرتفاع أرباحها الناتجة عن إرتفاع أسعار تلك العقارات بنسبة قد تفوق أحيانًا قيمة أرباح المشروع نفسه بالنظر الى طول مدة عقد الـ B.O.T.

إلا أن الدول التي تلجأ الى نظام عقد الـ B.O.T تعمل بشكل جدي على تخفيف مساوئ هذا العقد, من خلال تنظيم عقود نموذجية تتضمن بشكل دقيق وواضح حقوق كل من الدولة والشركة المتعاقدة والتزاماتهما بشكل يتناسب مع التطور العالمي وإتساع فكرة العولمة وتكنولوجيا المعلومات التي ساهمت في إنشاء شركات وتكتلات وإحتكارات عالمية متخصِّصة في مشاريع معينـة. كما أن هـذه الـدول تقوم بسن تشريعـات جديـدة من شأنها أن تواكب التطور العالمـي الحاصـل في المجالات العلميـة والتقنية كافـة، وتشكيـل لجان خاصة ومتخصِّصة للمراقبة والاشراف على حسـن سير عمل المشاريع منذ البدء بتنفيذها وصولاً إلى إدارتها وتشغيلها ونقل ملكيتها. يضـاف الى ذلك تفعيل دور شركـات التأميـن لضمان مخاطـر الخسارة لكل من الشركات والدولـة في تنفيـذ المشاريع وتشغيلها، مع المحافظة على الحـد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

0 تعليق سريع: